الوباء وقضيته الأخلاقية

الوباء وقضيته الأخلاقية

 

 

 


كتب/ يوسف المقوسي

الله، الإقتصاد، الإنسان؛ أيهم سبب لغيره. أيهم غاية لغيره؛ ذلك هو الموضوع الأخلاقي الذي ربما كان ميتافيزقياً.

 

 

الله يفسر حياة الإنسان بعد الموت، بربطها به. الإقتصاد يفسر الأساس الوجودي للإنسان بربطه به. الإنسان محور العلاقة بين الطبيعة (التي يستخرج منها الإقتصاد) والله. تفترض النظريات الإنسانوية أن الإنسان سبب لا نتيجة؛ بداية ونهاية؛ غاية وجوده يقررها هو ولا تقرر سلفاً.

 

 

تفترض النظريات الدينية والليبرالية الرأسمالية أن الإنسان خلق من بداية تقرر وجوده من أجل غاية لا يقررها هو. في النظرية الأولى، الإنسان منفعل بما يريده غيره؛ في النظرية الثانية، الإنسان فاعل لما يقرره غيره. في النظرية الأولى، هو الموضوع لغيره، في الثانية، هو الذات التي تقرر غيره، أي تقرر الموضوع.

 

 

 

الإنسان وجود موجود بذاته ولذاته ومن أجل ذاته. الاعتبار الأخلاقي أن البشري أداة لذاته. تنتفي الأخلاق عندما يكون الإنسان أداة إلهية وإقتصادية. جعلت الرأسمالية الإنسان بين الإقتصاد والله، بين المال والعبادة، ووضعتهما في تحالف متسيّد على الإنسان؛ غاية التسيّد أن يصير الإنسان موضوعاً ولا يبقى ذاتاً، بالأحرى يحرم من أن يصير ذاتاً. يحرم من أن يكون وكيل نفسه (Agent of Himself).

 

 

 

الخيار بين فتح الإقتصاد وغلقه هو خيار بين أن يكون الإنسان أداة إقتصادية لا غاية في ذاته، وبين أن يكون غاية لها تكلفتها الإقتصادية. غاية تجعل الإقتصاد أداة للبقاء البشري. لكن غلق الإقتصاد في نظام رأسمالي، كما حول العالم من دون إستثناء، يحرم الإنسان من أسباب وجوده.

 

 

 

يهدّد الغلق بإفلاس شركات وتسريح عمال وإغلاق منافذ للتجارة، وحرمان الإنسان من إمكانية العمل لتحقيق مدخل يبقيه على قيد الحياة. ويهدد فتح الإقتصاد بانتهاك سبل السلامة (وهي حتى الآن غسيل اليدين مرة بعد أخرى وإرتداء الكمامات). يبدو أن الدواء للشفاء واللقاح لمنع الداء بعيدا المنال. فيروس غير مرئي، سريع الإنتقال من إنسان إلى آخر، قهر العلم وشركاته، أو هو فعلا كذلك؟

 

 

الطبقة العليا، وهي أقل من 1% من البشرية، تستطيع عزل نفسها بلا كلفة كبيرة. تستطيع الإبتعاد عن أماكن الداء، إلا المشاهير، مشاهير السياسة والرياضة والاستعراض، فهؤلاء لا يستطيعون التباعد، كونهم مشاهير. ولكي يبقوا مشاهير، هم بحاجة إلى الاختلاط بالناس. هؤلاء مداخيلهم كبيرة من الاختلاط بالناس. يحتفظون بالجاه من الاختلاط بين الناس. يفقدون سبل بقائهم في أوضاعهم النجومية دون البقاء بين الناس، ولو كان ذلك عبئاً على أوضاعهم الصحية. معظم الناس مضطرون للاختلاط بين الناس في أماكن العمل من أجل تأمين سبل العيش. الأغنياء لا يصابون إلا إضطراراً. على العموم لا يصابون. الفقراء ومعظم الناس يصابون إضطراراً. القلة من الأغنياء يفلتون من حكم الضرورة. الأكثرية، وهم الفقراء أو ينحدرون نحو الفقر، يخضعون لحكم الضرورة. حكم الضرورة يعني الموت لأسباب الوباء المباشرة. أو الموت لأسباب تتعلق بإصابتهم بأمراض أصبح الجسم الطبي عاجزاً عن معالجتها.

 


لم يعد مهماً مصدر فيروس الكورونا، سواء حدث تصنيعه في مختبر ما أو جيء به من مكان ما أو كان مصدره سوق للحيوانات البرية التي تؤكل في مكان ما. إلا أنه الآن يعم العالم في كل أنحائه. السعي لاتهام ثقافة ما دون الثقافات الأخرى لا يفيد. إلقاء اللائمة على شعب دون آخر هو وجه آخر من وجوه العنصرية. والعنصرية الفاشية متفشية الآن في جميع أنحاء العالم. الأمر المهم هو عجز العلم في جميع العالم، المتقدم منه والمتأخر. العلم الحديث أداة بيد الرأسمالية، وهذه تستنكف عن معالجة كل المسائل الأخلاقية، أو حل الأزمات لغايات أخلاقية. همها الربح لا غير. الربح ينتج الفقر. الفقر مجال واسع لانتشار الوباء.

لم تعد للانسان قيمة تقاس إلا بالمال. مع الثورة الصناعية كان العمال ضرورة. كانت عائلاتهم ضرورة من أجل استمرار الطبقة العاملة واستمرار فائض القيمة، وتزايد ثروات الرأسماليين. مع الرأسمالية النيوليبرالية، أي الرأسمالية في عصرها المتأخر، رأسمالية الكورونا، لم يعد للانسان قيمة. إذ الخيارات المتاحة أمامه هي واحد من إثنين: إما موت من الفقر والبطالة، وإما موت من الوباء. لم يعد للبشر ضرورة. أو بالأحرى لم يعد لمعظم البشر قيمة. تقدم لهم الرأسمالية نوعين من الإبادة، وعليهم أن يختاروا منهما. كان فيروس الكورونا هدية للطبقة العليا (أقل من 1% من البشرية). بالحَجْر ينحبس الناس في بيوتهم. التلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي تقدم لهم دفقا من المعلومات. شلالات ايديولوجيّة تعيد تشكيل وعي الناس. قبول المصير الخارج عن الإرادة يصبح حتمياً. الطبقات الدنيا الأكثر بؤساً هي الأكثر قبولاً لسياسة النظام. الطبقات البورجوازية الصغيرة والوسطى التي تتهاوى تمانع. ولو قليلاً؛ تقاوم ولكنها تستسلم في النهاية. لا يبقى من البشرية إلا القسم المفيد. الأتمتة والروبوتيكس سيطرت حتى في الزراعة. بكل سرور سرحت الشركات الكبرى للصناعة مئات آلاف العاملين. الكومبيوتر يحل مكانهم. قطاع الخدمات لا يحتاج إلى هذا العديد من الناس.

 

 

 

لكن مقتل الرأسمالية لن يكون في الإنتاج، الذي ربما سيزداد، بل في إنخفاض الإستهلاك مع انخفاض أعداد البشرية لزيادة الأسعار؛ أو في ما يسمى الإبداع التقني: إعادة توضيب المنتجات وخاصة الالكترونية، بحيث تصبح أكثر عرضة للتلف. وهي على أية حال منتجات مغلقة لا يعرف الولوج إليها إلا شركات المنشأ أو من يمثلها. على كل حال الشركات الزراعية الكبرى لا تبيع إلا بذاراً معدل الجينات. يفيد لموسم واحد، والمنتج لا ينتج بذاره. هو مضطر للعودة للشركة الزراعية لشراء نفس البذار  أو ما يشبهه في العام التالي. لا تجديد تلقائياً على يد المزارع للمحصول إلا عن طريق الشركات الكبرى. كذلك لا تجديد تلقائياً للكائن البشري إلا باعداد تناسب القوى الرأسمالية. لقد ازداد عدد البشرية بأكثر مما هو مرغوب فيه. هناك زيادات كثيرة يجب استئصالها. فيروس “لا يعرفون” عنه شيئاً. العلم ينتج تكنولوجيا لا تفيد إلا من يموّل “الأبحاث العلمية”. تكنولوجيا مهمتها إنتاج أعداد مناسبة من البشر، كما أعداد مناسبة من السيارات مثلاً. صناديق التقاعد صارت تخدم أعداداً كبيرة من المسنين الذين صاروا مع الأيام عبئاً لا ضرورة له. ربما أمم أو مجتمعات بكاملها صارت لا لزوم لها، كالعرب مثلاً. تكاثر الحروب الأهلية والجيوش الأجنبية عند العرب دليل على ذلك. يعرف فقراء العالم ذلك، فتزداد بينهم اتجاهات التديّن، علّ الكائن الغيبي ينقذهم. التطرّف الديني (بما فيه داعش والنصرة) لا يقتصر على العرب والمسلمين عامة. يعرف البشر مصيرهم، لذلك الخوف من الآخر. الأكثر فقراً هم الأكثر عداء للهجرة وللاختلاط ولحركة الناس من بلد إلى آخر. التطرف الديني وجه آخر للفاشية. طبقة واحدة متعددة القوميات، من أصحاب الملايين وربما المليارات من الدولارات، تحكم بشرية بائسة يأتيها الوباء زيادة على تدني الأجور ليقرر مصيرها الموت.

التطوّر التقني (الرأسمالي) يحتاج إلى عدد أقل من البشرية. بشرية يجب أن يزول جزء منها على الأقل، مهما كثرة أعداد الزائلين أو المزمع أن لا يولدوا. موارد الطبيعة لا تكفي أعداد الناس المتزايدة. الملامة إذن على الناس وأعدادهم لا على النظام الرأسمالي. يغفل هؤلاء أن أميركا الشمالية وحدها تتسع لكل سكان المعمورة بمستوى معيشي لائق. النهاية ليست قريبة إذا أخذنا بالاعتبار توازن أعداد البشر وموارد الطبيعة. البشرية ليست في خطر تفرضه محدودية الموارد الطبيعية، وفي النهاية مساحة الأرض. النظام الرأسمالي النيوليبرالي هو المأزوم. على الأقل، يتصرف وكأنه كذلك. لقد ضاق ذرعاً بالناس وكثرتهم ومطالبهم وصناديق التقاعد لأعداد متزايدة من المسنين. يجب أن تؤخذ أو تصادر مدخرات المسنين في صناديق التقاعد أو غيرها. وباء الكورونا يشكل خطراً على هؤلاء أكثر من غيرهم. لديهم رأسمال لا يتحرك ومن طبيعة الرأسمال أن يتحرك. يفعل ذلك بانتقال ملكية هذا الرأسمال إلى أيد تستطيع أن تحركه.

أزمة الفقراء الذين يشكلون معظم البشرية هي أزمة النظام الرأسمالي العالمي. هؤلاء على ما يبدو غير قادرين على التغيير، وغير قادرين على تحويل النظام لصالحهم. ليس لديهم من الأدوات الفكرية سوى ما يتيحه لهم النظام. دفق المعلومات إلى أدمغتهم يكوّن وعيهم. معظمهم يملكون آلة التلقي، الهاتف الخلوي أو الانترنت؛ معظمهم يملكون أدوات استعبادهم. أدوات “الخضوع الطوعي”. أدوات الهاتف الذكي المستعملة متاحة بأسعار بخسة. وكل بشري يعتقد أنه يجب أن يملكها. هي أداة مغلقة لا يفهمها حاملها، ولا يعرف محتوياتها ولا يستطيع إصلاح ما فيها. يفهم فقط كيف يستعملها كما يملي عليه أصحاب منصات التواصل الاجتماعي. هي نموذج مصغّر عن عالم لا يفهمه ولا يستطيع تغييره أو الولوج إليه. لا يفهم ما في الأرض، ينتقل إلى ما يفترض أنه موجود ما بين الأرض والسماء. تحاول الأصولية تفسير ما على الأرض بما يفترض أنه في السماء. يعيش في عالم افتراضي. والواقع يصير وجهة نظر. يتعارك القديم والحديث. ينتصر القديم. الطبقة العليا تستأثر بالحداثة. الفقراء يبقى لهم القديم. في عالم معاصر تختلط الحداثة بالسلفية. تصير السلفية أداة بيد الحداثة.  تستفيد الحداثة (الامبريالية) من السلفية إلى أقصى الحدود. لا يعرف السلفيون مثل داعش والنصرة أنهم يقاتلون من أجل حداثة غيرهم.

يستوي أمر الأخلاق عندما يكون الإنسان غاية لا وسيلة. لا يحدث هذا إلا في نظام سياسي يدير المجتمع بالتعاون البشري الذي يمكّن الناس من أن يصيروا هم غاية أنفسهم.