الولد  يغتال أباه

الولد يغتال أباه

 

 

 

 

 


كتب/ يوسف المقوسي


كان العرب وسائر الخلق يعرفون دبي، باعتبارها شبيهة سنغافورة ومالطا وقبرص، ولا يعرفون ابو ظبي التي تبعد عنها مسيرة ساعة بالسيارة، بينما تتناثر المشيخات الخمس الاخرى في المسافة الفاصلة عن البحر، في الفجيرة وانت تعبر الطريق، في الشارقة، وام القوين، حيث يمكنك أن تلمح بداية البداية لمشاريع الاعمار في “الدولة” التي ستعلن باسم “الامارات العربية المتحدة”.

 

 

بين المطار وابو ظبي يمتد بحر من الرمال يخترقها مبنى فخم للمطار الذي سيستغنى عنه قريباً لإقامة مطار أكبر ليكون دولياً ومؤهلاً لاستقبال اساطيل الطائرات المدنية والعسكرية الآتية من الشرق أو من الشمال، من الغرب أو من الجنوب، حتى تستحق ابو ظبي أن تكون العاصمة، وأن يكون الشيخ زايد أميرها وحاكمها بعدما خلع أصحاب القرار الشيخ شخبوط عن سدة الحكم وأولوها لأخيه الشيخ زايد.

 

 

كيف يحكم شيخ القبيلة “دولة” وهو لم يعرف الا القبائل، بتحالفاتها وخصوماتها، والجوع والعطش والجراد الذي قد يكون غذاء كاملاً لهؤلاء الذين يعيشون في بيداء من الرمال لم تمشِ عليها اقدام بشر من قبل.. في حين أن الحيوانات نادرة، وقلما يلمح غزال أو آيل في هذه الصحاري المقفرة والتي يعز فيها الماء.

 

 

والجواب بسيط: انه النفط.. فاذا كان معه الغاز فألف مرحبا!

 

قيل لشخبوط: قم: فقام منصرفاً، في اتجاه لبنان. ولقد تلقاه العارفون بالسر فأكرموه وسألوه عن رغباته فلبوها جميعاً، مقابل الانسحاب التام من الحياة العامة، فيمكنه اذا اطاع – أن يستمتع بالثورة التي جاءته بغير طلب، وفاضت عن حاجاته – مع أهله جميعاً – فدلوه على “مصرف” يدفع له فائدة عن مدخراته فيضاعفها، إذا هو جمّدها، مستبقياً ما يلزمه للسفر والسياحة والتنعم بما رزقه الله حامداً شاكراً.

 

 

 

جاؤوا إلى الشيخ زايد بمن يدَّرسه “الاصول” أو “البرتوكول”: كيف يستقبل الرؤساء في المطار؟ كيف يجالسهم في السيارة أو في البيت؟ وإذا ما اصَّر أحدهم على اصطحاب قرينته، كيف يكون التصرف؟

 

 

أما الوزراء فيستقبلهم الوزراء. ولكن لا بد من مجلس نيابي، للشيخ أن يختار أعضاءه من شيوخ العشائر، اضافة إلى من يختارهم للوزارات المختلفة!

 

 

 

الادارة؟ لا بد بداية، من الاستعانة بهؤلاء الذين جاءوا إلى البلاد ليعطوها من علمهم وخبراتهم.. على أن يبقى “الرأس” لأحد الاشقاء أو أبنائهم أو أصهارهم، أو لأحد أقارب هذا أو ذاك من شيوخ الامارات الأخرى التي تتكون منها الدولة، وتبقى الافضلية لمن درس في القاهرة أو دمشق أو بيروت… ولا مانع من توظيف من درس في بغداد بعد التدقيق في ما حمله معه بعد العودة، مع الشهادة، من أفكار ومبادئ!

 

 

 

ليس أسهل من بناء الدول. هات الرجال وخذ الدولة. في البدء لا ضرورة للجيش. تكفي قوى الأمن، ولو معززة. وبعد حين، تمْكن المباشرة في الإعداد لبناء جيش من أهل البلاد ومن الذين ثبت اخلاصهم من الوافدين. ولا مانع من أن تكون الاكثرية من “الوافدين” لكن حق الامرة لا يكون الا للمواطن!

 

 

لدينا الدولة التي كانت لها حقوق “الإمرة”، بريطانيا ومعها الولايات المتحدة الاميركية، أم الجميع، ثم هنا “الاخوة العرب” وعندهم كفاءات مميزة: مصر، العراق، لبنان، ثم مملكة الادارة في المغرب وتونس شرط تفوقهم.

 

 

 

قامت، أو أقيمت “الدولة” أسرع من الصوت.. وأنشئت الادارات والمؤسسات كأنما بسحر ساحر، وانتظمت الامور، وأمكن للمواطنين أن يمدوا أرجلهم، أو يلعبوا بأصابعهم وهم يدندنون اراجيز الحماسة للمتسابقين أو أناشيد الفخر للمقاتلين.

 

 

 

تنافس الرعايا العرب، عبر حكومتهم، على إظهار ترحيبهم ” بدولة الخير” الجديدة، وسافر العديد من شبابهم، ذكوراً واناثاً، إلى الدولة الجديدة ليسهموا في بنائها. وقد تلقاهم أهلها بالترحاب، ورافقوهم وهم يشغلون الادارات ومواقع الخدمات في الدولة الجديدة.

 

 

 

.. ولما كان الشيخ زايد في ابو ظبي والشيخ محمد بن راشد في دبي أنسباء، فقد قررا، معاً، تمتين علاقتهما بالمصاهرة، واقتسام السلطة: الدولة بعاصمتها ابو ظبي والامارات الأخرى لزايد، ودبي أشبه بمنطقة حرة، وفيها هوامش من الحرية في النقد والعلاقة مع الجيران (لا سيما إيران التي لها جالية كبرى يكاد عديدها يزيد عن سكان دولة الامارات جميعاً).

 

 

 

هامش: ذات يوم، خطر لأحد الصحافيين أن يسأل الشيخ زايد عن مصير الجزر الثلاث، التي تتوسط قلب الخليج وسكانها قليل. ومعظم الناس يقصدونها لصيد الاسماك. فرد الشيخ زايد بهدوئه الدائم: سنتركها للزمن.. فالزمن أفضل علاج خصوصاً وليس لدينا القدرة لمواجهة إيران.

 

 

 

وفي حين تمّ توطيد أركان الدولة في أبي ظبي، عبر الاستعانة بالخبرات العربية (من مصر ولبنان وسوريا اساسا) فقد تحولت دبي إلى ما يشبه هونغ كونغ: فيها كل ما ترغب فيه، وكل ما تطلبه.. فان ضجرت في ابو ظبي قصدت دبي للاستجمام والراحة، ثم عدت معافى وفي ذروة النشاط.

 

 

وهكذا انشأت دبي “جائزة الصحافة العربية” للكتّاب العرب في الصحف والمجلات عموماً، وأقامت منشآت رياضية واعلنت عن جوائز لأمهر السابحين والسابحات، في حين كانت سوقها الحرة جاذباً مميزاً للسيدات الثريات والعرائس.. والغاوين.

 

 

.. وكان لا بد أن يتوفى الله الشيخ زايد بن سلطان، شأنه شأن الناس جميعاً.. وهكذا تولى السلطة نجله محمد بن زايد (لأن الابن الاكبر مصاب بمرض لا شفاء منه).

 

 

 

 

تعاظمت قدرات دولة “الامارات”، ونافستها قطر، إلى حين. ثم تمكنت الامارات من اكمال طريقها، بينما سبقت الدوحة بأميرها الشيخ حمد بن جاسم آل خليفة إلى الاعتراف بإسرائيل واقامة علاقات دبلوماسية مع دولة العدو، كما فتحت الباب واسعاً امام “السلطان” اردوغان، وسمحت بإقامة قاعدة أميركية في “العيديد”.. وها هي دولة الامارات تستدرك ما فاتها، وتعلن اعترافها بدولة الكيان الاسرائيلي على أرض فلسطين..

 

 

وها هو رئيس حكومة العدو بنيامين نتياهو يتباهى بأنه سيزور هذه “الدولة المهمة ” في القريب العاجل، من دون أن ينكر انه، ذات يوم، عبر دبي وهو في طريقه إلى زيارة لسلطان عُمان.

 

خلا الجو للعدو الاسرائيلي… وها هو ينتشر في عواصم عربية عديدة.

 

لكن شعب فلسطين لم يُلقِ سلاحه، والتظاهرات تملأ شوارع المدن والقصبات في الارض المحتلة، تخرج صباح الجمعة من كل اسبوع، وأحياناً مع سقوط بعض الشهداء في مصادمات مع قوات الاحتلال الاسرائيلي لتؤكد المؤكد: فلسطين بلادنا، وليست للبيع.. وسنقاتل بالروح والدم لنحمي عروبتها!

 

 

رحم الله الشيخ زايد الذي مات من دون أن يُطبع ومن أن يعترف بدولة العدو الاسرائيلي، وكان الأّولىَ بنجله محمد بن زايد أن يجنبه هذه الكأس، وعلى الرغم من كل شيء فلن يتزعزع ايماننا بأن فلسطين بلادنا، أهلها أهلنا، مهما زاد .عدد “المصالحين”